أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

412

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ابن عطية : واشكروا لي ، واشكروني بمعنى واحد ، و « لي » أفصح وأشهر مع الشكر ، ومعناه نعمتي وأباديّ ، وكذلك إذا قلت : شكرتك فالمعنى شكرت لك صنيعك ، وذكرته فحذف المضاف إذ معنى الشكر ذكر اليد وذكر مسديها معا ، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف . قوله تعالى : أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ : خبر مبتدأ محذوف أي : لا تقولوا : هم أموات ، وكذلك « أحياء » خبر مبتدأ محذوف أي : بل هم أحياء ، وقد راعى لفظ من مرة ، فأفرد في قوله « يقتل » ومعناها أخرى فجمع في قوله « أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ » واللام هنا للعلة ، ولا تكون للتبليغ لأنهم لم يبلغوا الشهداء قولهم ، هذا والجملة من قوله : « هم أموات » في محل نصب بالقول لأنها محكية به وأم ا « بل هم أحياء » فيتحمل وجهين : أحدهما : ألا يكون له محل من الإعراب ، بل هو إخبار من اللّه - تعالى - بأنهم أحياء ، ويرجحه قوله : وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ إذا المعنى لا شعور لكم بحياتهم . والثاني : أن يكون محله النصب ، بقول محذوف تقديره بل قولوا هم أحياء ، ولا يجوز أن ينتصب بالقول الأول لفساد المعنى ، وحذف مفعول « يشعرون » لفهم المعنى أي : بحياتهم . قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ هذا جواب قسم محذوف ، ومتى كان جوابه مضارعا مثبتا مستقبلا وجب تلقيه باللام ، وإحدى النونين خلافا للكوفيين ، حيث يعاقبون بينهما ، ولا يجيز البصريون ذلك إلا في ضرورة ، وفتح الفعل المضارع لاتصاله بالنون ، وقد تقدم تحقيق ذلك وما فيه من خلاف . وقوله : بِشَيْءٍ متعلق بقوله : « لَنَبْلُوَنَّكُمْ » والباء معناها الإلصاق . وقراءة الجمهور على إفراد شيء ، ومعناها الدلالة على التقلل إذ لو جمعه لا حتمل أن يكون ضروبا من كل واحد ، وقرأ الضحاك بن مزاحم « بأشياء » على الجمع ، وقراءة الجمهور لا بد فيها من حذف تقديره : وبشيء من الجوع وبشيء من النقص ، وأما قراءة الضحاك فلا تحتاج إلى هذا ، وقوله : « مِنَ الْخَوْفِ » في محل جر صفة لشيء ، فيتعلق بمحذوف . قوله : وَنَقْصٍ فيه وجهان : أحدهما : أن يكون معطوفا على شيء والمعنى : بشيء من الخوف وبنقص . والثاني : أن يكون معطوفا على الخوف أي : وبشيء من نقص الأموال ، والأول أولى لاشتراكهما في التنكير . قوله : مِنَ الْأَمْوالِ فيه خمسة أوجه : أحدها : أن يكون متعلقا بنقص لأنه مصدر نقص ، وهو يتعدى إلى واحد وقد حذف أي : ونقص شيء من كذا . الثاني : أن يكون في محل جر صفة لذلك المحذوف ، فيتعلق بمحذوف أي : ونقص شيء كائن من كذا . الثالث : أن يكون في محل صفة لمفعول محذوف ، نصب بهذا المصدر المنون ، والتقدير : ونقص شيئا كائنا من كذا ، ذكره أبو البقاء ويكون معنى « من » على هذين الوجهين التبعيض . الرابع : أن يكون في محل جر صفة ل « نقص » فيتعلق بمحذوف أيضا ، أي : نقص كائن من كذا ، وتكون « من » لابتداء الغاية .